23 أكتوبر، 2011

في مدينتي الصغيرة ..

حي "بام" - سيدي سليمان

فـي مدينتي الصغيرة كل بيوت الحي كانت بيتي، لم أدرك معنى الأسوار التي تفصلها إلا بعد سنين طويلة..إلى اليوم نفس الإحساس ينتابني كلما عاد بي الفكر إلى ذاك الزمن : باب مسكني هو مدخل الحي، حتى وقت النوم، مرقدي أينما غفت عيني، في دارنا أو في دار الجيران لا فرق .. بيني و بين ابناء الجيران لا فرق، كل النساء خالاتي، و كل الرجال أعمامي.

في مدينتي الصغيرة، للعيد طعم مختلف، استيقظ باكرا فأرتدي ملابسي الجديدة - كما في نصوص "إقرأ"- أصلي العيد رفقة "طارق" و البقية، ثم نمضي بقية اليوم بين الزقاق و بيوت الحي، فرحين بالعيدية التي نلناها من الجميع.

في مدينتي الصغيرة، لم يكن صيفنا شاطئا و لا مصايف، فقط أمسيات سمر جميلة.. هناك أمام باب "خالتي خدوج" اجتمعت النسوة تتحدثن و تتسامرن، و هنا أمام بيتنا نحن الأطفال نشكل حلقة كبيرة مفترشين حصيرا نلعب"الورق" و ننفذ الأحكام بفرح و بهجة، لا يتذمر أحد، و لا يمر سكير أو عربيد يفسد علينا جونا، نبقى كذلك حتى ساعات الصبح الأولى. و في أحايين كثيرة نشكل مجموعتين فنلعب "الكنز" "بوليس و شفارة" أو "كاش كاش (غميض البيض)" و صباح كل أحد، مقابلات كرة القدم بين الأحياء في أطراف المدينة.

في مدينتي الصغيرة، يوم "عاشوراء" لا يمر صامتا، ما بين "شعالة" ، أغاني المناسبة، و "زمزم" لحظات لا تنسى. كبارا كنا و صغارا نلعب و نمرح. آباؤنا و أمهاتنا بدورهم كان يروقهم الشغب ذاك اليوم فيستفيدون من حصتهم فيه بكل عفوية .. أتذكر بابتسامة كبيرة "با عزوز"، والدي أطال الله عمره يوم أخرج خرطوم ماء بعد أن تعب من ملأ الأوعية، فلم يسلم منه غاد و لا جاء.

في مدينتي الصغيرة، "الجورة(الجوار)" خط أحمر و أمر مقدس.. إن اختلفت مع أحد أبناء الحي أو تشاجرت معه لا تفكر في التذمر و لا في الشكوى، لأنك في نظر والدتك ستكون المخطئ في كل الأحوال، ليس ظلما أو قهرا، و لكن لأن الحادث أمر عارض من المستحيل أن يتحول إلى شجار بين الجيران.

في مدينتي الصغيرة، زفاف أحدهم أو إحداهن مناسبة تستنفر الجميع بدون استثناء .. كل النساء تحضرن الحلوى و المأكل .. المدعوون كثر؟؟ لا يهم، المضايف كلها تفتح، الرجال في بيت فلان، و النساء في بيت علان .. و أما الأفرشة و الأواني، فإلى اليوم لا نعرف من يملك ماذا، و حتى مصاريف الفرح الجيران لهم فيها نصيب. و أما في المآتم، فصحون الكسكس تأتي من كل حدب و صوب، و أهل الميت لا يشعلون نارا في بيتهم ثلاثة أيام كاملة.

في مدينتي الصغيرة، إن غاب والداك أو سافرا لأمر طارئ لا تقلق أبدا، مأكلك و مشربك يصلانك محمولان على طبق .. إن احتجت شيئا يصلك قبل أن تفكر فيه، و إن مرت بك ضائقة لا تقنط، ستجد أناسا طيبين حولك و من خلفك يساندونك و يدعمونك حتى تتجاوز الأمر.



اليوم و أنا أتذكر مدينتي الصغيرة و سكانها تختلط بسماتي بدموع شوق لأيام مضت .. أيام الطفولة و الفرح العذري، حيث كان الحب بين الناس عفويا لا يقبل القسمة و لا يتأثر بمقادير الزمن مهما كانت قاسية .. 

كلماتي اليوم تحية خاصة لجيراني و رفاق طفولتي .. لمدينتي الصغيرة : سيدي سليمان

هناك 27 تعليقًا:

  1. كنت اعيش في حي يشبه مدينتك الصغيرة، لكن تكالب الأوروبيين علينا كسر صفو حينا و صرنا نشم رائعة الكحول في الحفلات بدل رائة الجاوي ...
    أيام مضت و صعب جدا ان تعود

    تحية لك و لمدينتك الصغيرة

    ردحذف
  2. مازلنا نعيش بعض اللحظات التي ذكرتها
    أما باقي الذكريات
    فقد انتهت مع هذا الزمن
    زمن تغير فيه كل شيء جميل :)
    دمت قلم ماس
    تبدع ولا تموت

    ردحذف
  3. ايام تمشي وتترك اثرها علينا
    ذكريات جميلة قلما نجد تكرارا لها
    ماتت الجورة من زمان للاسف
    تدوينة ارجعتني لفترة ما كنت طفلا
    مؤثرة

    ردحذف
  4. الأيام التي تدوز لا نلقى أبحالها.. ولو بالريق الناشف

    ردحذف
  5. أخي عبد الحميد أول مرة أعرف أن طفولتك كانت بسيدي سليمان.
    إن ما ذكرت هو صورة طبق الأصل لما كانت عليه أغلب الأحياء المغربية، وأظن أنه مازل بعضها يحافظ على ذلك أو قليلا منه.
    وأنا بحكم بعض طفولتي في قرية الأطلس فكانت كل المنازل منزلي، وكل الأمهات خالاتي... وكما وصفت تماما..
    أحيك على الذكرى الجميلة.

    ردحذف
  6. نعم هكدا كان الوضع ولكن انا استبدل هدا بداك ...مدينتي...بقريتي كما في كتب التحضيري حيث ما زلت اتدكر ييمات القراءة .....

    ردحذف
  7. وتحية من اعماق القلب للمغرب الشقيق
    وللاخوة المغاربة ... :)

    ردحذف
  8. on a tous de la nostalgie pour notre enfance notre école, nos voisins nos amis mais une fois grands tout change avec le temps ; les relations deviennent plus étroites, le voisins est devenu curieux de savoir ce que tu as mangé au diner , ce que tu acheté comme nouveau meubles , les notes de tes enfants aux examen .... Les gens aujourd'hui veulent plus d'intimité .

    ردحذف
  9. ومن لا يعشق مدينته

    ,, الحي الذي ترعرع فيـــه ,,جيرانه...:جدرانا كتب عليها :ⵃ ونوافذ لطالما التقطتـ الكرة الخاصة باصدقائنا ..

    ذكرياااات لا تنسى في مدينتنا الصغيرة :d

    دام مداد قلمك ثائراا

    ردحذف
  10. @ الأخت سناء
    كثيرة هي الأحياء التي سلخها الأغراب عن جلدها فصارت هجينة


    و تحية لك أخية

    ردحذف
  11. @ سنينة
    أنت محظوظة كونك لا زلت تعيشين بعضا من تلك اللحظات
    فأنا أفتقدها جميعا

    تخجلني كلماتك دوما يا مبدعة

    ردحذف
  12. @ هيبو
    هي نوستالجيا تعيدنا دوما للزمن الجميل
    لأننا لم نجد في حاضرنا ما يستحق أن نبكي عليه

    شكرا صديقي

    ردحذف
  13. @ أخي رشيد
    قضيت فيها 16 سنة كانت أجمل أيام العمر
    حكم القدر أن أغادرها و أسرتي

    كانت مدينة عذراء

    بوركت أخي

    ردحذف
  14. @ shababe
    عشت أيضا في قرية في بدايات الطفولة
    و كان للحياة أيضا طعم مختلف

    شكرا أخي

    ردحذف
  15. @ تطبيقات
    مرحبا بك على الدوام

    ردحذف
  16. @ الأخت الطيبة أم ليلى
    أصبت كبد الحقيقة و اختصرت كل شيء في كلماتك الجميلة

    على المودة دائما

    ردحذف
  17. كما قال أخي خالد: الأيام التي تدوزو.. لن نلقى أبحالها..

    حرام عليك عزيزي حميد.. فكرتني بالذي مضى.. وقلبت علي المواجع :)


    كنت هنا..

    ردحذف
  18. مشكوور أخي الكريم على الموضوع

    ردحذف
  19. وفيها خفقى قلبي اول مرة حين رايت ابنة عمي مسعود مريم
    كان والدها صانع للاواني الفخارية
    فكانت اول واخر من احببت

    ردحذف
    الردود
    1. غير معرف03 غشت, 2013 23:10

      Bravo liik Ghané

      حذف
  20. Différente Vision
    هي ذكريات نتشاركها جميعا، و عشنا تفاصيلها سوية و إن بشكل مختلف
    شكرا لك أخية

    ردحذف
  21. عزيزي المناضل خالد
    و من منا نسي تلك الأيام حتى يتذكرها اليوم
    و تلك الايام نداولها بين الناس

    كل و عام و أنت بألف خير

    ردحذف
  22. زكرياء يماوي
    الشكر لك على الطلة أخي

    ردحذف
  23. الأخ عبد الغني
    سعيد أنني ذكرتك بتلك الذكرى الطيبة

    ردحذف
  24. تحية لذكرياتنا ... التى لولها ما كان حاضرنا ولا مستقبلنا

    ردحذف
  25. يااه على تلك الأيام
    يا ترى هل هي التي ولت ام نحن من تغيرنا وتعامينا حتى صرنا نرثي الحي قبل موته
    والله لاأدري
    كل ماقلته أخي عبد الحميد تلخصه كلمة سحرية واحدة : "الجورة" ويالها من كلمة

    قال (ص) : ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .
    صدق الحبيب حدث فكفى

    سلمت يمناك أخي
    يس

    ردحذف

;