04 يونيو، 2011

مشهد: إسمها زهرة !!!





"المشهد واقعي و الاسم مستعار"

 العاشرة من صباح يوم سبت ربيعي شمسه بزغت -على ما يبدو- قبل موعدها .. الحافلة تطوي الطريق، و في الأفق تظهر آلات بناء عملاقة تعود على وجودها أهل العدوتين منذ سنين .. الوجوه أمامي تتشابه بشكل غريب؛ ذات التجاعيد، و ذات الهموم تصرخ من محيا الجالسين جميعا، كل يكتم في نفسه أنينا صامتا. 
لأنها تبدو مختلفة، كان طبيعيا أن تثير انتباهي دون غيرها .. تلك التي ولجت بشعرها الذهبي المنسدل على كتفيها بملابس تبدو عليها مظاهر الفقر الشديد، يبدو من طولها الصغير أنها لم تتجاوز من السنين تسعا أو عشرا، عفر بعض الغبار بياض وجهها الناصع و لم ينجح بريق الحزن في عينيها في إخفاء نظرات البراءة فيهما.
أثارني وجودها وحيدة في حافلة تتوجه إلى قلب العاصمة صبيحة سبت، في يدها اليمنى حقيبة و في اليسرى كيس بلاستيكي يبدو مملوءا بعلب محارم ورقية أيقنت بعد وهلة أن الطفلة في طريقها لبيعها في أزقة المدينة القديمة و في مواقف السيارات.
دفعني الفضولا دفعا لأن أبادرها الحديث، سألتها :
- ما اسمك؟
-  زهرة!!
 - تدرسين؟؟
- نعم "فالبيت الثالت"
- و لم لست في المدرسة؟؟
- "عندي صباح خاوي"
- تبيعين المحارم الورقية؟؟
- "إيه"
- أرغمك والدك على ذلك؟؟
- "لا، أنا بغيت نخدم باش نعاون دارنا"
- في سنك مطلوب منك فقط أن تدرسين، تلعبين مع أقرانك و تعيشين تفاصيل طفولتك!!
- "إيلا ما خدمتش ما غنخلصوش الكرا و مول الدار غيجري علينا"

صدمتني إجابتها، ليس لأنني لست مدركا لواقع وطن أعيش فيه، و لكن لثقل الهم الذي تحمله طفلة في سنها  بدأت للتو رحلتها في الحياة.. بقيت مشدوها للحظات .. صامتا .. أحسست أنني أحتقر نفسي و كل المجتمع .. ذاك الوحش الذي وأد طفولة "زهرة" و اغتال فيها مستقبل جيل بأكمله.
أيقضني صوتها بعد وقت لا أدري كم طال : "بالسلامة" ... تبعتها عيناي و هي تخترق سور المدينة القديمة عبر أحد بواباته إلى أن ذابت وسط الأجساد.

تمت


ملحوظة :  تعمدت للأمانة وضع إجابات "زهرة" بالدارجة، كما جاءت على لسانها.

هناك 5 تعليقات:

  1. للأسف، ما هذا إلا نتيجة من نتائج الفساد الذي ينخر بلدنا الحبيب.. فلو كان مسؤولنا يقومون بعملهم بضمير، لما وجدنا مثل زهرة، تغتال طفولتها مبكرا..

    حكاية تدمي القلب، وواقع مؤلم.. نسأل الله العافية..

    كنت هنا..

    ردحذف
  2. زهرة
    فتاة تعيش من أجل أسرة
    وأسرة تعيش الفقر
    مثل

    ها كثر في وطننا
    من يعيشون في غير مكانهم الطبيعي


    دمت قلم ماس
    يبدع ولا يموت

    ردحذف
  3. آسف زهرة.. فأنا وغيري من نتحمل مسؤولية وضعك هذا
    شكرا زهرة.. أعدت لنا حميد وقلمه الثائر

    ردحذف
  4. العجيب أن الكثير من الأطفال مثل زهرة يحملون أعباء الحياة مبكرا ويثقلهم..
    مشهد مؤثر.

    تحيتي أخي عبد الحميد.

    ردحذف
  5. المهم أنها تدرس
    لكن كم هو مؤلم هذا المشهد
    لا شك أن زهرة لو لاقت الرعاية و الإهتمام لاهتمت بدراستها أكثر, وما يدريك لعلتها تصبح غدا عالمة أو طبيبة أو مهندسة فأطفال المغرب و شبابه طاقات متجددة يكشف عنها الزمان إن تم الحفاظ عليها.
    اما إن تركت للمصير المجهول كما هو الحال مع زهرة فإن هذه الطاقات سرعان ما تتحول إلى قنابل موقوتة تهلك الحرث و النسل

    ردحذف

;