06 نونبر، 2010

المسيرة الخضراء : فكرة رجل، مفخرة أمة



و ذكر ..


يـحتفل الشعب المغربي اليوم بالذكرى الخامسة و الثلاثين للمسيرة  الخضراء المظفرة، هذا الحدث المنفرد على المستوى العالمي رسم صورة مشرقة في تاريخ المغرب الممتد لأزيد من 1200 سنة.
المسيرة الخضراء، فكرة بدت في حينها في عين الأصدقاء و الخصوم ضربا من ضروب الجنون، و لكن الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله آمن أن اختياره كان صائبا، لا لشيء سوى لأنه وضع الرهان على المواطنين المغاربة، و خصوصا على حب المغاربة لوطنهم .. و لأن  أبناء هاته الأرض الطيبة يعشقون ترابها كيفما كانت الظروف، فقد كان الرهان مضمون المكسب، على الأقل من الجانب المغربي.
لن أذكر بكرنولجيا الأحداث لأن الجميع صار يعرفها و يحفظها عن ظهر قلب، و لن أصف ما وقع عندما تنقل 350 ألف مغربي و مغربية فرادى و جماعات إلى مدينة طرفاية، و منها انطلقوا، في مثل هذا اليوم من سنة 1975 "في نظام و انتظام" مخترقين الحدود الوهمية التي رسمها المحتل الإسباني آنذاك، محطمين جدار الصمت و معه الأسلاك الشائكة، و محررين الثغور المحتلة، و في نفس الآن، مستغلين الفرصة من أجل صلة الرحم مع الإخوة المواطنين سكان الصحراء.
نعم، لا تهم التفاصيل بقدر الأهمية التي تكتسيها الدروس و العبر التي منحتها المعجزة الخضراء، ليس للمغاربة فقط و لكن للعالم أجمع .. عندما يتحرك هذا الكم الهائل من الرجال و النساء، مسلحين بالقرآن الكريم و الأعلام المغربية و صور الملكين الراحلين رحمهما الله في مواجهة جيش بعتاده و أسلحته، رافضين الخضوع للخوف و خطابات التحذير التي وُجهت لمبدع المسيرة من العدو قبل الصديق، عندما تعاين هذا المشهد الرهيب تدرك فعلا أنها معجزة، و تكبر الدهشة أكبر عندما تتذكر أن المسيرة الخالدة حققت أهدافها كاملة دون أن نسمع دوي رصاصة، و دون أن يصاب أحد بأذى .. رفع العلم المغربي في الثغور، و غادر أفراد الجيش الإسباني بعد أن أدركوا أنهم يواجهون أناسا يحبون الموت حبهم للحياة.

فكرة رجل .. و مفخرة أمة

لسنين طويلة ظل السؤال يراود الكثيرين، كيف انبثقت فكرة المسيرة الخضراء في ذهن الحسن الثاني رحمه الله؟؟ الإجابة الشافية عن هذا السؤال نجدها في كتاب "ذاكرة ملك" :
"في 20 غشت 1975 كان علي أن ألقي خطابا بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، وهي الذكرى التي تخلد تاريخ نفي الأسرة الملكية. وعشية ذلك اليوم كنت أتساءل مع نفسي: «ترى ماذا عساي أن أقول في هذا الخطاب»؟ وفي المساء وبعد أن أديت صلاة العشاء أخلدت إلى النوم. فاستيقظت فجأة في منتصف الليل تراودني فكرة نفذت نفوذ السهم إلى ذهني وهي: «لقد رأيت آلاف الأشخاص يتظاهرون في جميع المدن الكبرى مطالبين باستعادة الصحراء. فلماذا إذن لا ننظم تجمهرا سلميا ضخما يأخذ شكل مسيرة»؟ وهنا أحسست أني قد تحررت من عبء ثقيل للغاية.
وقد اكتفيت في خطابي في اليوم الموالي بالتطرق لبعض القضايا العامة. إثر ذلك استدعيت وزير التجارة ووزير المالية وقلت لهما: «إن شهر رمضان قد يكون قاسيا، إذ المحاصيل الزراعية كانت متوسطة، فهل يمكنكما من باب الاحتياط تخزين كمية من المواد الغذائية؟ حتى إذا وجدنا أنفسنا في حاجة إلى عرضها في السوق أمكننا المحافظة على سعر تابث لها». فأجابا: «بكل تأكيد، وما هي الكمية التي يتعين تخزينها؟» فقلت لهما: «تموين يكفي لشهر أو شهرين». ولم يفطنا لشيء وهذا ما كنت أرغب فيه. واستدعيت بعد ذلك أولئك الذين سيصبحون إلى جانبي المسؤولين الثلاثة عن المسيرة الخضراء. وهم الجنيرال أشهبار الكاتب العام لإدارة الدفاع والجنيرال بناني من المكتب الثالث والكولونيل ماجور الزياتي من المكتب الرابع. وبعد أدائهم اليمين بعدم إفشاء السر حتى ولو لم يكونوا متفقين على ذلك، شرحت لهم أن عدد المشاركين في المسيرة سيصل إلى ثلاثمائة وخمسين ألف نسمة. فقالوا مستفسيرن: «لماذا كل هذا العدد؟» فأجبتهم بأن المسألة في غاية البساطة فهناك ثلاثمائة وخمسون ألف مغربي ومغربية يولدون كل سنة، وبالتالي فإن هذا العدد ليس بالأهمية التي قد تؤثر على عدد السكان». وقد ألهبت الفكرة على التو حماسهم وشرعوا في العمل بدون كاتبات أو أجهزة حاسوب، وكانوا يحررون كل شيء بأيديهم، حيث كان يتعين إحصاء كمية الخبز اللازمة لإطعام ثلاثمائة وخمسين ألف شخص، وعدد الشموع الضرورية لإنارة الخيام. وهكذا عملنا ـ نحن الأربعة ـ في سرية تامة حتى مطلع شهر أكتوبر. وهنا كان لابد من الإسرار للحكومة بذلك، وكذا لعمال الأقاليم حتى يفتحوا في الوقت المناسب المكاتب لتسجيل المتطوعين».

وعن السبب في تأخر إخبار الحكومة بالمسيرة، قال الملك: «لأن كتمان السر كان أسهل بين أربعة أشخاص، أكثر منه بين ثلاثين، فما بالكم إذا أفشي السر لأزيد من أربعين عامل إقليم، سيما وأن تسرب هذا السر كان سيكون مميتا وستكون له انعكاسات وخيمة على الصعيد الدولي"

و يبدو جليا من خلال هذا المقتطف أن الملك الراحل لم يترك مجالا للصدفة في تحضيره لهذا الحدث الجلل، انطلاقا من عدد المشاركين بدلالته، مرورا إلى إعداد المأكل و المشرب و الإنارة و وصولا إلى الوقوف على أدق التفاصيل اللوجستية و البشرية .. لقد لقن الحسن الثاني رحمه الله للعالم أجمع درسا مهما، ليس في مجال الحكم و تسيير الشعوب فقط، ولكنه مبدأ ينفع في الحياة بكل تفاصيلها : كن جريئا! غامر! و لكن فلتكن مغامرتك محسوبة !
350 ألف مغربي و مغربية أثبوا بدورهم للعالم أجمع أن هذا الشعب يحب وطنه دون شروط، 350 ألف شاركوا في المسيرة الخضراء، وأكثر بكثير لم يسعفهم الحظ للمشاركة لأن العدد كان محددا سلفا .. كانوا يعرفون أنهم سيواجهون جيشا مسلحا، و كانوا يدركون أن خيار التعرض لإطلاق النار و الشهادة وارد جدا، و لكنهم اختاروا المواجهة من أجل تحرير أرض لهم احتلها غاشم ظالم، فرددوا بلسان واحد "الله الله الله الله" ملبين نداء "صوت الحسن" مؤمنين  بشعار "مسيرة أمة و شعب بولادو و بنانو، شعارها سلم و حب و الغادي سعداتو" ... لن أطيل أكثر، سأترككم تستمعون معي بكلمات أغنية "نداء الحسن" التي كتبها الزجال فتح المغاري لحنها الموسيقار عبد الله عصامي  و سجلت بصوت المجموعة الصوتية للجوق الوطني في ظرف 24 ساعة.

 

الله اكبر الله اكبر الله اكبر الله اكبر
صوت الحسن ينادي بلسانك يا صحراء
فرحي يا أرض بلادي أرضك صبحت حرة 
مرادنا لازم يكمل بالمسيرة الخضراء 


الله الله الله الله 


مسيرة أمة و شعب بولاده و بناته
شعارها سلم و حب و الغادي سعداته 




الله الله الله الله 


صوت الحسن ينادي بلسانك يا صحراء
فرحي يا أرض بلادي أرضك صبحت حرة 
مرادنا لازم يكمل بالمسيرة الخضراء 


الله الله الله الله 


حاملين كتاب الله و طريقنا مستقيم
إخوانا فالصحراء يسالونا الرحم
يا قاصدين الصحراء أبوابها مفتوحة
مسيرتنا الخضراء نتيجة مربوحة 
فيها أمن و سلام تاريخ مجد الوطن 
بلا حرب بلا سلاح معجزة الزمان 


الله الله الله الله 


صوت الحسن ينادي بلسانك يا صحراء
فرحي يا أرض بلادي أرضك صبحت حرة 
مرادنا لازم يكمل بالمسيرة الخضراء

و هذه هدية أخرى، العيون عينيا، لفرقة جيل جيلالة

 


كل سنة و أنتم بخير
كل عيد مسيرة و أنتم أوفياء،
فخورون بانتمائكم لهذا الوطن الصامد


هناك 19 تعليقًا:

  1. كمغربية اشعر بالفخر الشديد وانا اقرأ كلمات اغنية صوت الحسن ثثثير فيا مشاعر كثيرة وتلهب حماسي بشكل كبير
    العنوان الذي اخترته فعلا جامع مانع فالمسيرة الخضراء هي فعلا بصدق فكرة رجل ومفخرة امة
    ربي يديم الامن والامان على بلادنا ويرد كيد اعدائها في نحورهم ان شاء الله
    دمت بكل ود

    ردحذف
  2. السلام عليكم

    لا أخفيك أن الأغنية تحدث هزا عنيفا في نفسي كمغربي يحب وطنه، وأن ذكرى المسيرة الخضراء ذكرى متجدرة في نفوسنا، وفكرة الحسن الثاني كانت فكرة فريدة من نوعها، وقد حصل المراد فعلا من أن المسيرة كانت كما فكر الملك، وبإرادة الله تعالى لم يكن هناك لا رصاص ولا شيء أخر من العنف، فنجحت كمسيرة سلمية، يقودها صوت الحسن الثاني ويخوض غمارها ألف 350 مغربيا بأنفسهم وباقي المغاربة بقلوبهم.
    رحم الله الحسن الثاني.
    ولكن يبقى السؤال ماذا بعد كل هذا هل تغير شيء؟ فالقضية الصحراوية كما هي منذ أن أولد وبعد أن فتحت عيني على الحياة، ولا تزال.
    أرجو أن يكون المستقبل أفضل، هذا هو أملي كمغرب يحب وطنه.
    أخي عبد الحميد أشكرك كثيرا على روحك الوطنية وعلى هذا الموضوع الذي جاء في وقته بالتحديد.

    ردحذف
  3. المسيرة الخضراء كانت فكرة ذكية من قائد ذكي
    وسواء رفض البقية او وافقوا، فهي اثبات قوي على مغربية الصحراء
    سلامووو

    ردحذف
  4. أحيانا أشعر أن الأمر مجرد تمثيلية كبيرة، بإخراج رجل واحد، وجميع المشاركين مجرد ممثلين من الدرجة الخامسة.
    كنت أشعر بالحماس كذلك لأغنية صوت الحسن، تماما كما كنت أفعل لنشيدة "أنا فنان"

    ردحذف
  5. وماذا بعد؟؟ هل حررنا الصحراء فعلا؟؟

    كنت هنا..

    ردحذف
  6. كما سبقني بها الاخ خالد وماذا بعد؟؟ هل حررنا الصحراء فعلا؟؟
    لا للأسف لازال هناك الكثييير
    اولا علينا أن نحرر عقولنا بعدها نفكر في تحرير الصحراء و غيرها من المدن المحتله
    تقبل مروري ^_^

    ردحذف
  7. @خواطر شابة
    نسأل الله الاستقرار الدئم لهذا الوطن الأبي
    إطلالتك مميزة أختي
    دمت سالمة من كل شر

    ردحذف
  8. اذكر ان لدينا عددا قديما من مجلة العربي يحتوي صورا لهذه المسيرة.
    تدوينة مميزة و شاملة.
    مع تحياتي.

    ردحذف
  9. @أبو حسام الدين
    المغرب ما فتئ يتبع سياسة اليد الممدودة مع الجارة التي تصر على عرقلة المسيرة التنموية لشعب و أمة،
    المغرب حرر صحرءه من المحتل السابق (الإسبان) لكن اصطدم بمن يعتبورن إخوة و في الدين و الهوية ..
    الغريب أن المعنيون بأمر القضية أيقنوا أن لا حل لها إلا تحت السيادة المغربية، فعاد أغلبهم (إن لم نقل كلهم) إلى حضن الوطن الأم، و لم يبقى منهم إلا بيادق المخابرات و الجيش الجزائريين.
    الصحراء الآن تحت السيادة المغربية، في ربوعها ترفرف الراية الحمراء بنجمتها الخماسية حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا
    أتشرف دوما بزيارتك لصفحاتي المتواضعة
    قبلة على جبين حسام الدين

    ردحذف
  10. @ سناء
    رد مقتضب و شامل من مغربية الهوية و الانتماء
    دمت رائعة كعادتك

    ردحذف
  11. @عمران العمران
    أود أولا أن أرحب بالمدون اللامع في صفحتي المتواضعة، زيارتك شرف أعتز به ..
    أيمكن فعلا أن يكون تحرك 350 ألف رجل و امرأة،- و وراءهم ملايين آخرين كانوا يتمنون الحضور - مجرد تمثيلية؟؟؟
    المسيرة الخضراء حقيقة تاريخية ثابتة أبهرت العالم أجمع، و لم يثبت أبدا أن هناك أي شكل من أشكال التحايل ..
    سأختم بالقول أننا إذا شككنا نحن المغاربة في حدث كالمسيرة الخضراء فماذا سنترك لغيرنا؟؟؟

    ردحذف
  12. @ خالد أبجيك
    و هل الصحراء الآن محتلة؟؟؟
    أقترح عليك أخي خالد أن تقضي عطلتك الصيفية المقبلة في أحد الأقاليم الصحراوية : العيون أو بوجدور أو السمارة أو الداخلة أو طانطان أو آسا أو كلميم أو حتى في الشريط الحديد الشرق، ستجد أنى وليت وجهك الأعلام مغربية، و الإدارات مغربية، و رجال السلطة مغاربة .. باختصار ستجد كل شيء مغربيا، و ستدرك حينها أن الصحراء محررة فعلا، و النزاع الحالي(و الذي أوجده القذافي و تبناه رؤساء الجزائر على مر العصور)، هذا النزاع المفتعل لا يغير في الحقيقة شيئا من قناعة أن الصحراء مغربية ..
    لا أذكر من كان يردد دائما : بلادنا راحنا فيها، و النزاع يبقى أولا ينتهي حتى حاجة ما غادي تغير.

    دم بخير يا غالي

    ردحذف
  13. @ سفيرة المحبة
    مرحبا بك أختي
    أتفق معك أن عقولنا تحتاج التحرير من أشياء كثيرا تحتلها .. علينا أولا أن نتعلم كيف نحب وطننا كيفما كانت الظروف، لأن هذا الحب يخفت جيلا بعد جيل للأسف ..

    ابقي في الجوار دوما
    أسعدتني إطلالتك المميزة

    ردحذف
  14. @ sonnet
    مرحبا بك أخية
    أتمنى أن تكون التدوينة قد أفادتك على هذا الحدث الهم في التاريخ المغربي

    ودي

    ردحذف
  15. تعليق عل تدوينة طارق رمضان

    الصدفة وحظى الجميل هما من اتى بى الى هذه المدونة
    المميزة
    وسعدت عندما وجدت هذه التدوينه التى اتمنى ان تستمر حلقاتها
    منذ مدة وانا اتابع هذا الرجل المحترم
    ندواته محاضراته وحواراته من خلال الانترنت
    انا اذكر هذه اللحظة رؤيته " لدار الحرب ودار السلام"

    واعجبتنى جدا
    اتمنى لك كل توفيق
    تحياتى وتقديرى

    ردحذف
  16. أعتذر عن بعض الأخطاء التي تضمنتها بعض تعليقاتي
    و السبب أنني رقنت أغلبها بسرعة كبيرة دون أن أعاود مراجعتها
    شكرا على تفهمكم
    و مرحبا بكم على الدوام

    ردحذف
  17. @sat
    مرحبا بك أخي
    التدوينات عن طارق رمضان متواصلة بإذن الله
    و قريبا تدوينة جديدة بعنوان : الأطروحة الفكرية و الصراع مع الإيديولوجيات المتطرفة

    ردحذف

;