20 أكتوبر، 2010

قراء نقدية لقصة "مصائر" للأخ رشيد أبو حسام الدين

     قراء نقدية لقصة 
 للأخ رشيد أبو حسام الدين
 

      "مصائر" هي أول بوابة فتحها لنا الأخ رشيد أبو حسام الدين نلج من خلالها عالم القصة القصيرة الخاص به، و لأننا نعرف سلفا القيمة الأدبية و الفكرية التي تقدمها نصوص هذا الكاتب المتميزو هو يتجول بخفة و رشاقة بين طرفين متباعدين : أدب المقالة -بأسلوبه المباشر الهادئ- من جهة ، و أدب الخاطرة -بزخمه الجمالي و المجازي - من جهة أخرى .. لأننا ندرك هذا المعطى جيدا، كان شغفنا مضاعفا لمعاينة تجربته في مجال القصة القصيرة.
سنحاول من خلال هذه المساحة قراءة "مصائر" بشكل مدقق و مركز أكثر، بهدف سبر أغوار هذا النص الغني لغويا، المشبع بالعناصر المثيرة للانتباه خصوصا من جانب الحبكة القصصية التي نجحت في دمج أساليب سردية متنوعة.


العنوان: مصائر

     اختار الكاتب أبو حسام الدين أن يعنون قصته مستخدما كلمة واحدة: "مصائر" و هي جمع تكسير لكلمة "مصير"، و معناه منتهى الشيء و صيرورته.
التمعن في عنوان القصة و معناه يحيلنا إلى احتمالات متعددة يصعب معها التكهن بمضمون القصة و أحداثها، فالكلمة يمكن إسقاطها و استعمالها في كل مجالات الحياة، كيف لا و القانون الذي يسير عليه الكون مبني على مصائر وضع تفصايلها خالق الكون سبحانه، فللإنساء مصير، و للحيوان مصير، و للجماد مصير، و لكل ما خلق الله مصير مدون في سجلات القدر التي جف مدادها .. عنوان بهاته الشمولية لا يمكن إلا أن يزيدنا تشويقا من أجل الاطلاع على ما جادت به قريحة كاتبنا، سواء في السطور، فيما بينها أو حتى خلفها. يمكن إذا من خلال هذا التقديم أن نجزم أن اختيار العنوان بهذا الشكل موفق إلى أقصى الحدود، في انتظار التأكيد من خلال تسلسل الأحداث.


الشخصيات: 


  • الشخصية الرئيسية "سمير" البطل، محرك الأحداث و محورها
  • الشخصية الثانية: الصديق، المحفز و المشارك في سير الأحداث
  • شخصية الراوي: اعتماد السرد حينا و الحوار أحيانا، جعل شخصية الراوي لا تظهر في الأحداث.
الزمان:

     الإشارة لزمن الأحداث جاءت مباشرة في بداية القصة : المساء، لكن أي مساء من أي يوم، أي شهر و أي سنة؟؟ لم يكن في الحقيقة ضروريا الإشارة لكل هاته التفاصيل، لأن أحداث القصة لم تكن لتتأثر لو تغير هذا الزمن و اختلف، بل أن الإشارة للزمن من عدمه لم تكن لتتؤثر على إدراك القارئ لتفاصيل السرد نظرا لأن هاته الأخيرة وقعت داخل حيز زمني و مكاني محدود.
تجدر الإشارة أن الطبيعة الحبكية للقصة، و التي اعتمدت على أشكال متعددة (سنشير إليها لاحقا) حتمت على الكاتب اعتماد زمنين فعلين : الماضي و المضارع، إضافة إلى الإشارة للزمن المستقبل دون اللجوء إلى الصيغة الفعلية الدالة عليه.

المكان :

      كما الزمان تماما، لم يشكل المكان عنصرا مؤثرا على الأحداث، فكانت الإشارة إليه مقتضبة من خلال بعض المقاطع الوصفية : الرصيف، أزقة الحي، جانب الشارع ... الخ.

ثنائية الزمان و المكان التي اعتمدها أبو حسام الدين تجسد بشكل ملموس أحد التعاريف الكثيرة و المتعددة لأدب القصة القصيرة و الذي يمكن أن نلخصه كما يلي : "(..) القصة القصيرة لا تهتم بالتفاصيل (...) ولكنها تهتم بحدث معين في زمن محدد ومكان أو مجموعة من الأمكنة المحدودة ."

الحبكة :

      كما أشرنا سابقا، اعتمد كاتبنا على عناصر متعددة تكاملت لكي تشكل الهيكل الحبكي للقصة، فانتقل من السرد إلى الحوار، مرورا بالوصف: استخدام كل هاته الأساليب داخل إطار القصة القصيرة المحدود في الزمان و المكان يعتمر مغامرة حقيقية من أخينا رشيد نجح بالفعل في تجاوزها بتفوق.
    ليس هذا فقط، فداخل السياق السردي نفسه، نصادف تجليات متعددة لامست مجموعة من الأساليب (السردية) التي أشار إليها النقاد فنجد، من خلال تسلسل الأحداث :
  • المونولوج الباطني : و تجسده لحظات الحوار الداخلي لبطل القصة التي طبعت الحيز الأكبر من الأحداث و الركيزة الأساسية لها، و التي رسمت معالم العقدة (الذروة) و الحل أيضا.
مثلا :
" سحقا لهذا الواقع، لا شيء يستحق للإنسان أن يعيش له مادام هذا المجتمع ينافق ويحكم بالمظاهر"
كانت هذه الكلمات ثورة باطنية داخل نفسه المتعبة، وكثيرا ما كانت توكزه بوكزات مؤلمة، ...

  • السرد الموضوعي : ويتجلى في الحوارات المباشرة بين شخصيتي القصة، و التي نقلها الراوي بالحرف دون تدخل منه (خلافا للسرد الذاتي).
 مثلا :

- كيف حالك يا سمير؟
حينئذ عاد انتباه سمير فحك رأسه محاولا استحضار جميع تركيزه كأنه كان تحث تأثير مخدر:
- كما ترى يا صديقي، فحالي يخبر عني بكل صدق، وليس هناك حديث أبلغ من هذا الحال.
الانتقال السلس بين هاته العناصر كان وقعه مزدوجا على إيقاع القصة: إيجابيا عندما أظهر لنا قدرة الكاتب الهائلة على التحكم في عناصر السرد و استخدامها -جلها- بكل أريحية؛ و سلبيا لأن الإكثار من استخدام الأساليب السردية جعل النص يزيغ قليلا عن أسلوب القصة القصيرة الذي يعتمد على تقنية ''الومضة''، لكي يقترب من الأسلوب الروائي، و قد عزز هذا الانطباع اعتماد أخينا رشيد نهاية الحوار حلا لعقدة النص، لكي تبقى الأحداث مفتوحة على احتمالات متعددة، و سنتفق ربما أن إبداع كاتبنا، إضافة إلى أنه "قصة قصيرة"، يمكن أن يشكل فكرة لرواية تتناول موضوع الصراعات الداخلية للشباب العاطل و اختيار حل الهجرة السرية للخروج من النفق المظلم.

اللغة :

  • عنصر القوة في قصة "مصائر"، كما أشرنا في المقدمة، هو أسلوب الأستاذ رشيد القوي و المتميز، و لأنه قلم تعود التنقل بين كتابة المقالة و الخاطرة، فقد كان طبيعيا أن تجمع لغة القصة بين الأسلوب المباشر البسيط، و التعبير الجمالي المعتمد على الإيحاءات المجازية و التعابير الشعرية و المحسنات الجمالية، و كانت النتيجة نصا رائعا من حيث اللغة بعدما استنفر الكاتب كل الأدوات التعبيرية المتوفرة لديه.
  • أحب أن أشير لأمر مهم جدا، ألا و هو الاحترام التام لعلامات الترقيم في القصة، بخلاف ما نصادفه عادة في القصص القصيرة المنشورة على النت.
  • إلا من بعض الهنات البسيطة، فقذ خلا النص -تقريبا- من الأخطاء اللغوية.
المضمون : 
يبدو مضمون القصة بسيطا و واضحا، و رغم أنه شكل موضوعا لمجموعة من الإنتاجات الأدبية الأخرى، إلا أن أهميته تمنح الحق في إعادة تناوله من خلال دراسة كل تجلياته و تمظهراته.
تتناول القصة حكاية شاب أنهكته مشاكل الحياة من بطالة و فقر و فاقة، أقفلت كل الأبواب في وجهه، و ضاقت به الأرض بما رحبت، فأصبح يعاني من صراع داخلي مزمن أدى به إلى تبني مشاعر سوداء تجلت في الكراهية و الحنق تجاه كل عناصر المجتمع الأخرى، و اعتبارها سببا من الأسباب التي أدت به إلى الوصول لحالة اليأس و الموت الروحي، فكان حواره مع صديق قديم مناسبة انفجر فيها كبت مشاعره، فأعلنها مدوية : الهجرة السرية الحل الذي لا حل بعده.
الفقر، البطالة، اليأس و اللجوء إلى الموت حلا للخروج من دوامة الضياع، كلها أفكار قابلتنا و نحن نقرأ قصة "مصائر"، عناصر من الواقع المعاش نجح رشيد أبو حسام الدين في تناولها بشكل حكائي مميز رغم ضيق الحيز المكاني و الزمني الذي يوفره أدب "القصة القصيرة".



تم



هناك 12 تعليقًا:

  1. السلام عليكم

    حقيقة أدهشتني قرأتك النقدية الجميلة، وفعلا وعدت ووفيت بوعدك أيها العزيز، ولا أملك ما أكافئك به إلا الدعاء بظهر الغيب.
    جزاك الله خيرا ونفعنا الله بك، ووفقك الله، وبارك فيك.

    ردحذف
  2. السلام عليكم
    قصة مصائر كانت مميزة، وتستحق نقدك المميز حميد
    وأوافقك الرأي تماما بأن نقطة القوة في القصة هي لغتها الرائعة والتي نعرف مسبقا ان الا رشيد يتميز بها
    شكرا عالتحليل النقدي للقصة
    دوما قلم ماس مبدع لا يموت
    سلاموووو

    ردحذف
  3. السلام عليكم ورحمة الله
    لقد كان لى شرف قراءة قصة استاذى رشيد
    وبرعم انها اول قصة له الا انها كانت ذات طابع خاص لدى الجميع للخبرة والحبكة التى ظهرت بها للقارىء

    والان نستمتع بها مرة ثانية من منظور الناقد الواعى
    حقيقة لا انكر انى بنفسى قد استفدت كثيرا بهذا النقد المرتب الدقيق وصدقت اخى الكريم فى كلمتك(رغم ضيق الحيز المكاني و الزمني ) الا ان اخى رشيد قد اجاد فيها

    تحياتى لك ولاخى رشيد
    وتمنياتى للجميع بالخير

    ردحذف
  4. لست من المتمكنين في النقد لكن أحب كثير أن أقرأ عن القراءة النقدية لأنها تنظر لأي قصة أو موضوع نظرة عميقة .. وثرية .

    جزاكم الله خير الجزاء على مجهودكم

    ردحذف
  5. قراءة موفقة لقصة أستاذنا رشيد..

    بارك الله فيك، عزيزي عبد الحميد، وجعل عملك هذا في ميزان حسناتك..

    وننتظرك بشغف في قراءات أخرى لأعمالنا..

    دمت بود وسعادة

    ردحذف
  6. الشرف لي أخي رشيد
    الإنتاج الأدبي الناجح هو الذي يستفز النقد
    استمتعت كثيرا بالتمعن في قصتك الرائعة
    و فيك بارك أخي

    ردحذف
  7. مرحبا سناء
    إطلالتك الدائمة تسعدني كثيرا
    "مصائر" نص راقي فعلا و يستحق كل التنويه
    ابقي دوما في الجوار يا طيبة
    و سلامي لأشرف هههه

    ردحذف
  8. lolocat
    أسعدتني جدا طلتك على صفحاتي المتواضعة
    مرحبا بك دوما

    ردحذف
  9. مميز دوما،
    حس الاخ رشيد الكتابي وحسك النقدي كون مزيج جميل،
    كن بخير وسلمت

    ردحذف
  10. المجهول
    مرحبا على الدوام زائرا مميزا
    و أتمنى أن ترقى محاولاتي النقدية إلى المستوى المطلوب دوما

    ردحذف
  11. أخي خالد
    سيكون لي عظيم الشرف أت أتابع كل الإبداعات القصصية للإخوان
    وفقك الله في دراستك أخي
    مودتي

    ردحذف
  12. الطيبة الأخت عبير
    و إطلالتك زادت الصفحة نورا

    ردحذف

;