04 أكتوبر، 2010

المدونات و حرية الرأي: سيف ذو حين

         قبل أزيد من 160 سنة من الآن، بالظبط في خمسينيات القرن التاسع عشر بدأ الفيلسوف جون ستيوارت ميل رحلة النضال الطويلة و المتواصلة في سبيل انتزاع  حق حرية التعبير لفائدة الشعوب ، ترسيخا للمبادئ التي جاءت بها الثورات المتوالية، أولا في المملكة المتحدة، ثم في فرنسا. معه انطلقت المسيرة، و جاء بعده الكثيرون ممن عززوا  المكاسب و حاولوا جاهدين توسيع رقعتها، منهم من قضى نحبه، و منهم من لا زال قابعا في سجون القمع، و منهم من لم يتوقف قط عن النضال.
عندما وضع  ستيوارت أسس و مبادئ حرية التعبير عن الرأي، ارتكز على مبدأين أساسيين متلازمين، تواجدهما معا هو وحده الكفيل بالتحقيق الأمثل و الأقوم مفهوم "حرية التعبير عن الرأي"، و نستشف ماهية هاذين المبدأين من مقولتيه الشهيرتين :
 "إذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا فان إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة"
"الحد الوحيد لحرية التعبير هو إلحاق الضرر بالآخر"
نستنتج إذا أن حرية التعبير حق لكل فرد كيفما كانت مكانته داخل المجتمع، بشرط ألا تقتحم حرية "الآخر" و تلحق الضرر به؛ و لكن السؤال المطروح، هل يحترم من يتشدق بالمناداة بتوسيع هامش الحرية هذا بالمبدأين معا؟؟



  • المدونات و حرية التعبير عن الرأي، سيف ذو حدين


      شكل التدوين منذ بداية انتشاره ملاذا للعديد من الأقلام التي لم تكن تتوفر في السابق على منبر تنشر من خلاله أفكارها و تصوراتها و إنتاجاتها الفكرية، فجاءت المنصات التدوينية المختلفة لكي تشكل متنفسا حقيقا، و مرتعا خصبا لتناسل الأفكار البناءة منها و الهدامة.
ما يميز المدونات عن غيرها من مساحات النشر الأخرى في الشبكة العنكبوتية (المنتديات مثلا) هي أنها لا تخضع سوى للرقابة الأخلاقية لصاحبها، ينشر فيها ما يريد و بالشكل الذي يراه مناسبا، و بالتالي فمن الطبيعي أن نصادف منتوجا متنوعا و نحن نتصفحها، يتباين ما بين الراقي حينا و الصادم أحيانا، و تبقى الملاحظة السائدة هي أن المدونين استخدموا هامش حرية الرأي بكل الأشكال، حتي من خلال تجاوز الحدود الأخلاقية.
عندما أتحدث عمن تجاوزوا الحدود، لا أعني أولئك الذي رفعوا شعار النضال في مواجهة الأنظمة الفاسدة، و حاولوا و يحاولون تقويم الأوضاع من خلال نشر الأفكار النضالية و المطالبة الدائمة بتحقيق العدل و المساواة و تأصيل مبادئ الديمقراطية الحقة، أي أنني لا أعني "الحدود الوهمية" التي وضعتها دساتير الرقابة على المنابر الإعلامية و رواد الرأي، لأن تلك الحدود - لعمري - عار على من وضع أسسها.
من أقصد بتلك العبارة هم أولئك الذي كبتوا في أنفسهم حقدا دفينا تجاه مقدساتنا الأخلاقية و الدينية، و استغلوا منابر التدوين من أجل النيل منها و تدنيسها بأبشع الطرق، فكان أن أسقطت كتاباتهم تلك أقنعة  حاولوا جاهدين تثبيتها على وجوههم و الظهور بمظهر يخالف ما تخفيه دواخلهم من تخبط و ضياع روحي و نفسي.
 كثيرة هي الأمثلة لمن استغلوا صفحات المدونات من أجل نشر أفكار مريضة تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع، فمن المطالبين بتشريع المعصية علنا تحت غطاء تحقيق مبدأ الحرية الفردية في ممارسة الشرائع الدينية (منتهكي حرمة رمضان المبارك) ، مرورا بمن ينادون بمنح الحق للمرضى النفسيين من الشواذ في ممارسة طقوسهم الدنيئة، المحرمة في كل الديانات السماوية، و وصولا إلى الأفضع و الأشنع .. إلى من سنوا أقلامهم و رصدوها للنيل من مقدساتنا الدينية و نشر أكاذيب و تفاهات تنال من الدين الإسلامي و رموزه.
كلامي ليس موجها لأولئك البعيدين عنا، الجاهلين عظمة الدين الحنيف و المتربصين به و بنا، و لكنه يعني بعضا ممن تربوا في كنف أوطان يوحد فيها الله و يرفع فيها آذان الصلاة خمسا كل يوم .. 
كلامي عمن عاشوا في أسر مسلمة، أكلوا أكل مسلمين و درسوا في مدارس مسلمة، و لكنهم زاغوا بفكرهم عن طريق الحق، فلم يكتفوا بإعلان ارتدادهم عن دين الله، و لكنهم تجاوزا ذلك إلى سب المقدسات و التشنيع بها بطريقة مخجلة.
أيحق لنا حقا أن نصنف مدونات اختارت هذا التوجه على أنها تجسيد لحرية التعبير عن الرأي؟؟ ألسنا محقين عندما نوجه سهم النقد لأصحاب هاته الأقلام بحجة أن لهم الحق في التعبير عن رأيهم كيفما كان؟؟
حرية التعبير لها أخلاقياتها التي لا تستقيم بدونها، و أهم مبدأ من مبادئها أن لا تلحق الضرر بالآخر، و إذا لم يحترم هؤلاء مقدسات ديننا فيكيف لهم أن يحترموا شيئا آخر؟؟




قبل أن أختم، أريد أن أتشارك معكم هذا المقطع، لن أعلق عليه، أترك الأمر لكم

  


هناك 12 تعليقًا:

  1. تقول السيدة الطيبة : العيب اذا خرج من أهل العيب، لا يسمى عيبا
    أعرف بعض المدونين ، يتحدثون كل يوم باسم حرية التعبير والحريات، لكنهم بالمقابل يفرضون رقابة على كل تعليقات تدويناتهم، ويمسحون ما لا يعجبهم :)
    لا حول ولا قوة الا بالله
    فعلا لا يستحقون :)

    أبدعت كما دوما
    سلاموووووووو

    ردحذف
  2. السلام عليكم

    أخي العزيز عبد الحميد، موضوعك أعجبني كثيرا، خاصة أنه يتجه في منحى مهم من أن حرية التعبير هي شيء جميل ولكن لا تكون على حساب مقدسات الأخر، وأنا بدوري أؤمن بأن احترام عقائد الغير شيء مهم، وإن كنت سأناقش أناقش بعقلية متزنة والتي هي أحس، أما الهجوم بالإستفزاز والسب والشتم فأشد ما أكره.
    بالنسبة للقسيسة فهي فكلامها يحترم، وفعلا المسحية هي كما يقول النصارى دين السلام والتسامح ومن الكلام المأثور لديهم عن المسيح "من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر" طبعا هذا ما ينص عليه دينهم، وهذا ما يسمى عندنا في الإسلام العفو والتسامح، والإسلام قد شمل هاته الأمور وأكثر.
    فأنا أقدر أي إنسان يحترم معتقد الأخر كما يحترم معتقده.
    وقد فجئت يوما أن رأيت أحد المسحيين حاصل على الإجازة في الدراسات الإسلامية، ويكتب شعرا في مدح الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والذي يثير الإستغراب أكثر أنه لا يزال مسيحي.
    جزاك الله خيرا أخي وبارك الله فيك.

    ردحذف
  3. ورد خطأ في تعليقي:
    كلمة "فهي" زائدة في جملة "بالنسبة للقسيسة"

    ردحذف
  4. @ سناء
    ظاهرة الخطاب المزدوج تلك منتشرة بكثرة في صفوف المتحذلقين

    و أنت راقية كعادتك

    ردحذف
  5. الفيصل بين الحق و الباطل في الطرح هو ذاك الاحترام لمقدسات الغير،
    و كما أسلفت، لا ألوم من لا يعرفنا،
    و لكن اللوم كل اللوم لأولئك الذين اختاروا النزق من أجل الخروج من بوثقة الضياع الروحي الذي يعانونه

    راقتني إطلالتك الرائعة كعادتك أخي رشيد

    ردحذف
  6. أختي نجاة،
    الأجمل مرورك

    ردحذف
  7. أخي خالد،
    ابق دوما في الجوار

    ردحذف
  8. http://newspalestina.blogspot.com/2010/12/blog-post.html

    ردحذف
  9. اوه اعتذر عن سقوط الرابط مني سهو، أردت فقط ان انقل تعليقي على الفايسبوك الى هنا، فورد هذه الخطأ الغير مقصود فاعذرني اخي عبد الحميد و تخلس من الرابط و هذا التعليق من فظلك..

    ردحذف
  10. اخي عبد الحميد، التدوين كما ذكرت هو سيف ذو حدين، و هو طبعاً حرية لا شروط لها.. لكنه يبقى نوعا من الابداع الفكري مهما اختلفت توجهاته و اهدافة..
    و شخصيا اعتبر الحرية التعبيرية و الفكرية اساسين مثينين للتدوين، اذا تخلى المدون عن احداهما، يكون قد تخلى عن مبدأ من شأنه أن يسقط الصفة عنه..

    كما أن الحرية رهينة بمساحات، حيث ان حرية الفرد في التعبير تنتهي عند بداية حرية الاخر..

    اشكرك على التدوينة المميزة، و التي فعلا يجب ان يستفيد من سطورها عديد المدونين، الذين يهللون للحرية في كل شيئ، و ينسون ان الداعي للحرية يجب ان يلتزم بشروطها قبل ان يدعو اليها..

    ردحذف

;