07 غشت، 2010

قراءة نقدية لقصة "قناعة امرأة" لخالد أبجيك ~ مدونة الفكر الحر

قبل طرح هاته القراءة المتواضعة، أود أن أتوجه بجزيل الشكر للأخ و الصديق خالد أبجيك، صاحب مدونة الفكر الحر لأن قصته دفعتني لأن أعود لكتابة النقد بعد أن ابتعدت عنه لمدة تزيد عن السنة، و أعتذر له في نفس الوقت عن تأخري في وضعها بالرغم من أنها جاهزة منذ مدة  ..
أود أن أشير أخيرا أنني لست ناقدا أدبيا بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأن الوصول إلى هاته الدرجة تستوجب تحصيلا علميا طويلا لا أتوفر عليه، و لكنني عاشق للأدب بكل صروفه، فكان أن اهتممت بالنقد و اطلعت على بعض مقوماته ..
إن أحسنت فمن الله، و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان ..

روابط أجزاء القصة
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع
الجزء الأخير


من رحم الواقع ، و تحت جناح جنس أدبي يدعى “القصة القصيرة” ولد نص “'قناعة امرأة” لمبدعه خالد أبجيك صاحب مدونة “الفكر الحر”، نص مشبع بالأفكار رسم مثنا حكائيا مزج بين ظواهر مجتمعية متعددة تداخلت فيما بينها فشكلت وحدة متجانسة تجسدها قصة فتاة عاشت تحولات جمة في حياتها تباينت بين فرح و حزن، تهور و تعقل، توهان و استقرار ,, متضادات متعددة نجح كاتبنا في دمجها داخل بوثقة واحدة ,, و لأن بطلة القصة شخصية تنتمي لعمق المجتمع العربي (حتى لا أضعها داخل خندق حدودي معين)، بمعنى أنها تنتمي لواقع نعيشه و نعايش تجلياته كل يوم، أحسسنا و نحن نتابع القصة أنها جرد لأحداث واقعية – و قد تكون كذلك –، و الأهم أن هاته الأحداث جذبت انتباهنا و جعلتنا ننتظر تسلسل الأحداث بكل شغف، فكان التشويق أهم سمة ميزت قصة “قناعة امرآة”,





  • عنوان القصة : قناعة امرأة
قد يتبادر إلى الذهن من خلال قراءة العنوان أن الأمر يتعلق بتصوير لموقف معين داخل إطار محدود في الزمان و المكان، يجسدصراعا بين قناعة داخلية لامرآة في مواجهة ضغط ما، اعتبارا لأن الكاتب اختار صيغة المفرد لكلمة “قناعة”، و الواقع أن اختيار العنوان بهذا الشكل جاء متوافقا مع الطريقة التي صيغت بها القصة بالاعتماد على التشويق بالدرجة الأولى,
أمر مهم وجبت الإشارة إليه بارتباط مع عنوان القصة : نجح خالد أبجيك بطريقة غير مباشرة في إعطاء تعريف حقيقي لمعنى كلمة “قناعة” التي يعتبرها الكثيرون قيمة ثابتة غير قابلة للتغيير، و الحقيقي أن القناعات تتغير وفقا لمتغيرات الحياة، و وفقا لدرجة الاقتناع التي تستوعبها الشخصية البشرية في حال توفر شروط الوصول إلى درجة “الاقتناع” هاته و التي يلخصها علماء الاجتماع في : توفر الأدلة و البراهين المنطقية، و اطمئنان النفس و استعدادها لقبول القناعة,




  • الشخصيات:



  1. الشخصية الرئيسية : سهام ، بطلة القصة و المحرك الرئيسي لأحداثها,



  2. الشخصيات الثانوية : الخاطبة، الأب، العراف، المرأة في الشارع، الخال، زوجة الخال، الزوج و والدته,



  3. شخصية الراوي : بما أن الحبكة القصصية اعتمدت على السرد، لم تظهر شخصية الرواي في أحداث القصة,
اعتمد الكاتب في عرضه للقصة على تقسيمها إلى أجزاء متعددة (5 أجزاء)، فكانت الملاحظة السائدة أننا في كل جزء كنا نتعرف على شخصية جديدة أو أكثر مع اختفاء شبه تام لشخصيات الأجزا السابقة فلا تتم الإشارة إليها و لو بطريقة غير مباشرة، و قد كان من شأن هذا الأمر أن يؤدي إلى توهان القارئ لولا أن خالد نجح في شد انتباهنا إلى الأحداث و تسلسلها بدل التركيز على دخول و خروج الشخصيات,




  • الزمان :
أكثر ما يثير الانتباه في القصة هو أن زمنها يمتد بين مرحلتين تفصل بينهما مدة طويلة جدا تصل إلى سنوات متعددة، و التعامل مع هاته الشساعة الزمنية شكل أحد الهنات التي نؤاخذ عليها أخانا خالد أبجيك في صياغته لقصته,,
في الصياغة القصصية السردية هناك تمظهرات عدة لدراسة مفهوم “الزمن”، كثنائية زمن الأحداث / زمن الخطاب و التي تجسد و تشكل العلاقة الأبدية بيد المتن الحكائي ( و هو الأحداث في تسلسلها و تراتبيتها و العلاقات السببية التي تربطها) و المبنى الحكائي ( و هي نفس تلك الأحداث عندما تحكى أو تكتب من طرف راوي أو كاتب ؛
و محاور الزمن الثلاث التي تميز النص السردي : محور النظام، محور التواتر و محور المدة، و سنكتفي بالإشارة إلى هذا الأخير في معرض حديثنا عن قصة صديقنا خالد لأنه يهمنا أكثر من غيره ,,
محور المدة كما أشار إلى ذلك رواد النقد الأدبي هو التقنية التي تمكننا من التوفيق بين زمن القصة (أو زمن الأحداث) و الذي يقاس بالدقائق أو الأيام أو الشهو أو السنوات، و زمن السرد (أو زمن الخطاب ) و الذي يقاس بحجم النص المكتوب بالكلمات أو الأسطر، و من أجل إلغاء البون بين الزمنين يلجأ الكتاب إلى أحد التقنيتين ( و هما الأشهر) المجمل : و تعتمد على سرد مدة زمنية طويلة في بضع فقرات دون تفصيل الأفعال، و الإضمار: و يعتمد على إسقاط فترات زمنية قد تطول و قد تقصر دون الإشارة إليها ,, و من أجل الحفاظ على إيقاع النص يسعى الكتاب إلى اختيار أحد التقنيتين دون الأخرى,
بعد هذا الجرد النظري المتواضع و المقتضب نعود إلى “قناعة امرآة”، كما أشرنا سابقا فقد اعتمد الكاتب على تقسيم قصته إلى أجزاء بلغ عددها 5، اعتمد في الأربعة الأولى منها على تقنية المجمل، حيث لاحظنا أن إيقاع الأحداث سار بشكل هادئ و متوازن، فنجح بذلك في الاحتفاظ على التوافق بين زمن الأحداث و زمن السرد، و السبب يعود إلى أن المساحة الزمنية لم تكن شاسعة فكان من السهل السيطرة على الإيقاع ,,
في الجزء الخامس من القصة لاحظنا أن النسق ارتفع بشكل مفاجئ و غير متوقع، و اعتمد الكاتب على تقنية القفز على المراحل الزمنية بغية الوصول بشكل سريع إلى نهاية الأحداث، و هو ما أثر بشكل سلبي على الشكل العام للقصة و أفقدها – في جزءها الأخير – بريق التشويق الذي تميزت به,
و مرد ذلك على ما يبدو إلى الطبيعة التفاعلية للقناة التي عرضت من خلالها القصة (المدونة)، و التي حتمت على صديقنا خالد أبجيك الإذعان لمطالب القراء بالإسراع في الوصول إلى مرحلة الذروة، و هو ما حاول القيام به فعلا – و قد نجح في ذلك- و لكنه بالمقابل أخل بتوازن القصة في جزءها الأخير، و هو امر لا ينقص أبدا من جماليتها و تميز طريقة السرد فيها,

المكان:
اختلفت الأماكن التي احتضنت أحداث القصة و تنوعت : بيت سهام، بيت الخاطبة، بيت العراف، الشارع، ,,,


الحبكة :
كما أشرنا سابقا، فقد اعتمد كاتبنا على السرد كشكل حكائي سائد، و لكنه لجأ في مواقف متعددة إلى مسرحة الأحداث من خلال الاعتماد على الحوار بين الشخصيات باستخدام أسلوب الخطاب المباشر، هاته المزاوجة جعلت النص يسير وفق أسلوب روائي مميز,

اللغة :
سهلة بسيطة و سلسة، قلم خالد أبجيك ينتمي إلى المدرسة الواقعية في الكتابة الذي يركز على الأسلوب المباشر في صياغة المتن الحكائي دون الاعتماد على التزويق اللغوي و الرمزية ,, نقطة القوة لهاته المدرسة هو أن نصوصها متاحة لكل الفئات العمرية و الثقافية، و هي الأمثل من أجل إيصال الرسائل المشبعة بالمثل و المبادئ السامية، و هو ما توفق فيه الكاتب إلى حد كبير,

المضمون :

يروي النص قصة فتاة عاشت فوق برجها العاجي مترفعة متكبرة ظلت ترفض كل من يتقدم لخطبتها بسبب حجج واهية أبعد ما تكون عن الواقع حتى فاتها قطار الزواج، فانقلبت الكفة و أصبحت هي من تسعى إلى الحصول على زوج يسند ظهرها بعد أن بدأت تجاعيد الزمن ترسم الأثر على وجهها، و بدل الركون إلى الإيمان بالقدر و ما يخبئه لجأت إلى طريق الشعوذة المحرم، لتصل الأحداث ذروتها بوفاة والدها بسبب طيشها,, تلك الوفاة التي قلبت حياتها رأسا على عقب، بعد أن قررت أخيرا اختيار طريق الخير بالاقتراب من الله عز و جل، لينتهي بها الأمر سعيدة في بيت زوجها ,,,
« قناعة امرأة” رسالة مفتوحة مشبعة بالدروس و العبر، تحمل في طياتها دعوة صريحة إلى كل الشباب من أجل التمسك بالعروة الوثقى و التشبع بالمبادءئ و المثل السامية لأنها السبيل الأحسن من أجل بلوغ مرحلة السعادة في الحياة ,,

هناك 12 تعليقًا:

  1. تحليل لم أتوقعه البتة أيها الغالي.. بارك الله فيك

    بهذا تكون قد شجعتني لأن أكتب قصة أخرى مطولة.. لأن تجربتي في هذا الصنف من القصص جديد، وتعتبر قصة "قناعة امرأة" أول تجربة في هذا الصدد.. فإن جلت بين طيات مدونتي، ستجد أغلب أعمالي من صنف: "القصص القصيرة جدا"..

    فجزاك الله خيرا، وانتظرني في الجديد القادم بحول الله

    ردحذف
  2. نقد الشي يأتي بعد نجاحه
    اعتقد ان قصة خالد جيدة وتستحق نقدا ايضا
    نقد ممتاز من طرفك اخي عبد الحميد

    ردحذف
  3. نقد مميز
    اشياء عديدة خفيت عنا في القصة ،وها نحن نعرفها بعد كلماتك
    سلاموووو

    ردحذف
  4. نظرة الناقد نظرة مختلفة
    تحليلك أخ عبد الحميد تحليل رائع وتشريحك للقصة بارح جدا
    هذا يعد تشجيعا للأخ خالد ليزيد من عطائه ويتفنن أكثر..
    أشكرك كثيرا

    ردحذف
  5. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  6. لسلام عليكم أولا،
    أولا سبق وأن أثنيت على أخي خالد على كتابته لهذه القصة، والآن أثني على نقدك البناء الذي برز لنا نقاط مهمة،
    أولها نجاح خالد في ابراز مفهوم القناعة من حيث التعريف بحيث أنها قيمة قابلة للتغير تماما،
    والنقط التي أدليت عليها.
    أيضا من وجهة نظري تلاعبَ بشكل غير مباشر بفضول القراء حيث الكل توجه الى دراما المأساة وانهى القصة ولكن تغيرت الى نهاية جميلة

    هناك الكثير يمكننا تفصيله من القصة خصوصا حقل القيم لكن لايسعني الا القول
    ننتظر ابداع اخر منك اخي خالد وايضا نقد مثل هذا

    كن بخير

    ردحذف
  7. على الرحب و السعة أخي خالد
    شرف لي متابعة كتاباتك المتميزة
    و ثق أن الإنتاج الأدبي لا يثير اهتمام النقد إلا إذا كان جيدا ..
    سأتابع جديدك بشغف

    ردحذف
  8. أهلا هيبو
    هو كذلك فعلا
    و نجاح قصة قناعة امرأة لا يختلف عليه اثنان

    ردحذف
  9. مرحبا بالمغربية بين حنايا متصفحي
    كانت مجرد محاولة متواضعة
    مشكورة سناء

    ردحذف
  10. أخي أبو حسام الدين
    كما أسلفت في تقديمي للموضوع
    فأنا لست ناقدا أدبيا بالمعنى الحقيقي للكلمة
    اطلعت على دراسات في مجال النقد
    و أصبحت أقرأ النصوص بمنظور مختلف
    مودتي يا غالي

    ردحذف
  11. أختي عبير أكوام
    التشويق و اجتذاب الفضول أهم ما ميز قصة صديقنا خالد، و هما السر وراء نجاحهما الكبير،
    بدون مبالغة و لا مجاملة اجزم أن قلم خالد مؤهل بامتياز لاقتحام أدب الرواية و النجاح فيه ..
    مرحبا بك مجددا في مدونتي

    ردحذف
  12. السلام عليكم

    سبق وأن قرأت هذه القصة مسبقاً

    ولكني اعدت قرائتها اليوم .. وقرأت نقدك البناء عليها

    حثاً زاد إعجابي بالقصة بعد قرائتي لنقدك لها أخي الكريم

    والأستاذ خالد قاص مبدع .. يتعمد تشويقنا دائماً لنظل على ارتباط بما يكتبه بين ثنايا مدونتهـ

    تحية لك ولكاتب القصة ولجميع قرائها ..

    دمتم بخير

    ردحذف

;