18 يونيو، 2010

العمل الجمعوي و التربية ~ النموذج المغربي

توطئة - قراءة تاريخية

تعتبر الجمعيات رافدا أساسيا من روافد التربية فهي تشكل الضلع الثالث المكمل لثنائية البيت و المدرسة، و دورها يوازي دور هاتين الأخيرتين و يضاهيه، و قد يتجاوزه في أحايين عدة اعتبارا لأن الفاعل الجمعوي يتعامل مع عناصر المجتمع دون قيود أو شروط مسبقة، كما أن مجالات تدخله تبدأ في اللانهاية و تنتهي عندها.
ظهرت الجمعيات في مختلف أنحاء العالم أول الأمر تجسيدا لرغبة نشطاء المجتمع في تفعيل مبادئ العمل التشاركي و توحيد الرؤى في سبيل مواجهة سيل المشاكل الذي اجتاحت مختلف الشعوب، و قد اختلفت توجهات المؤسسات الجمعوية ارتباطا بالعصر الذي واكب تأسيسها، فكان من الطبيعي أن تقتصر بادئ الأمر على التوجه النضالي ضد الاستعمار، مرورا بالتيارات الحقوقية و الإيديولوجية، و وصولا إلى التشعب و احتضان مختلف هموم المواطن.
لم يشذ المغرب عن القاعدة، و مر مخاض ميلاد مؤسسة العمل الجمعوي من نفس المراحل تقريبا، و التي يمكن اختزالها - و كما أجمع مختلف المؤرخين - في المراحل التالية : 
  • ما قبل الثلاثينيات : ظهور بوادر العمل الجمعوي من قلب مؤسسة الزوايا مع بداية المد الاستعماري الفرنسي،
  • ما بين 1930 و1957 : انخراط الفاعلين الجمعوين في حركة التحرير، و التي يمكن اعتبارها أول تنظيم جمعوي منظم،
  • ما بين 1957 و 1966 : بداية تنظيم العمل الجمعوي و تأطيره من خلال إصدار ظهير 58، و انخراط مؤسسات المجتمع المدني في العمل السياسي و انصهارها فيه بشكل شبه كامل؛ و قد شهدت هاته المرحلة أو صدام حقيقي بين الدولة و الجمعيات،
  • ما بين 1967 و 1975 : انتشار خلايا الفكر اليساري و تمييع النشاط الجمعوي من خلال إقحامه بشكل أوسع داخل البوثقة السياسية،
  • ما بين 1976 و 1984 : وصول الصراع مع السلطة إلى ذروته فكانت النتيجة حل مجموعة هائلة من الجمعيات و تجميد شبه تام للفضاءات المدنية.
  • ما بين 1985 و 1994 : بداية مرحلة التطبيع مع الدولة و إيمان هاته الأخيرة بأهمية المجتمع المدني في المسيرة التنموية : و قد عرفت هاته المرحلة ميلاد عدد كبير من الجمعيات التي سيكون لها فيما بعد دور مهم في إشعاع العمل الجمعوي.
  • 1995 إلى اليوم : مرحلة المتناقضات بامتياز، فمع اتساع رقعة عمل الجمعيات و انفتاحها، و حصولها نسبيا على حقوق أكبر، إلا أن مفهوم العمل المدني تم تحويره بشكل كبير ليتحول في العشرية الأخيرة إلى فضاء يضم الطالح أكثر من الصالح بعد اقتحامه من طرف مجموعة كبيرة من المتطفلين الذي نزعوا عن الميدان غطاءه القدسي.

العمل الجمعوي و التربية بالمغرب

خلال مختلف المراحل التي مر منها تطور العمل الجمعوي بالمغرب، كان التوجه التربوي حاضرا و بقوة داخل رزمانة عمل المؤسسات التي أتثت فضاءه، و دائما مع احترام خصوصية كل مرحلة، فكانت التربية النضالية أول الغيث و أعقبتها التربية السياسية ثم التربية المدنية و وصولا إلى مختلف مشارب العمل التربوي في الوقت الراهن.
انطلاقا من بداية التسعينيات انفتحت الجمعيات أكثر على العمل التربوي، بداية بتخصيص أندية و فروع خاصة بالطفل و اليافع فوصولا إلى ظهور جمعيات مستقلة تهتم بالشأن التربوي، و قد لعبت هاته الأخيرة دورا مهما في اندماج الجمعية مع الأسرة و المدرسة و انخراطها في مسلسل تربية النشء و تشبيعه بالمادئ السامية، و قد سهل من مأموريتها الثقة التي اكتسبتها مشاعل المجتمع المدني داخل محيط الأسرة، و إيمان هاته الأخيرة بأهمية الأولى و دورها الفعال داخل المنظومة التربوية، دون أن نغفل مفعول السحر الذي حققه انفتاح الجمعيات بشكل مباشر على المدرسة و الشراكة القوية التي أسستها معها.
و لأن للزمن مفعوله الأبدي، و مع بداية اعتزال رواد العمل التربوي و غياب الخلف، إضافة إلى التشويه الذي طال الهيكل الجمعوي نتيجة لسياسة الانفتاح غير المقنن، دون نسيان سياسة التفريخ المبالغ فيه للجمعيات غير الجادة، كان من الطبيعي أن يتأثر الدور التربوي الطلائعي الذي طالما لعبته مؤسسات المجتمع المدني، مما أدى إلى انكسار الثقة بين الجمعيات و المكونات الأخرى للمجتمع.
أصبح الوضع في المغرب اليوم شاذا جدا، و تحولت دور الشباب إلى فضاءات تجسد كل صور الميوعة و الانحلال و التردي الأخلاقي بعد أن كانت مشتلا يانعا للكفاءات و المواهب، بعد أن اختارت أشباه الجمعيات أن تحصر نشاطها في الحفلات و الأمسيات الغنائية و البحث عن المكاسب المادية على حساب تحقيق الأهداف السامية للعمل الجمعوي. 
و قد زكت الدولة هذا التوجه للأسف من خلال دعمها اللامشروط لكل ما من شأنه أن يشغل الشباب عن الرسالة التي من المفترض أن يؤدوها، و ما انتشار المهرجانات الغنائية إلا دليل و نموذج لهاته السياسة، و لكم أن تضعوا مقارنة بسيطة بين ما تصرفه الحكومة المغربية على مظاهر النزق و الانحلال مع ما تخصصه لدعم الأنشطة الثقافية و التربوية لكي تدركوا مدى الاستهتار و التجاهل الذي توليه السياسة للأجيال القادمة ..
لك الله يا هذا الوطن

هناك 6 تعليقات:

  1. حميد والعمل الجمعوي
    ههه
    نستفدو منك شوية بعدا
    :)
    سلامووووو

    ردحذف
  2. وضعت يدك على الجرح أخي عبد الحميد..
    لا أذكر متى بدأت ارتياد دور الشباب.. كنت صغيرا جدا.
    تغيرات كبيرة حدثت خلال العشرين سنة الأخيرة (تلك تقريبا المدة التي قضيتها بدور الشباب لحد الساعة
    لكن للأسف أغلب هذه التغييرات هي سلبية محضة، وقليلة هي التجارب التي عرفت النجاح..
    كونت دور الشباب العديد من القياديين والمثقفين، لكن ذلك النور بدأ يخفت.. أياد خفية (أو لنقل أنها خفية ^_^) ليس من مصلحتها ميلاد هذا النوع من المواطنين، فقامت بدعم الجمعيات الصفراء من أجل تنفيذ أجندتها التخريبية بكل سهولة.
    وإذا أراد أحد أن يعرف المستوى الحقيقي لجمعية ما، فليزرها في مخيماتها الصيفية، فهناك تقدم حصيلة عمل الموسم بكامله..
    ولك أخي الكريم أن تشاهد العبثية والميوعة وغياب الخبرة والتكوين في معظم المخيمات إلا ما رحم ربك.
    من المسؤول؟؟ قلت سابقا أن هناك من ليس من مصلحته قيام دور الشباب بدورها.. حسنا، لكن هناك فئة ممن لهم تجربة وباع في العمل الجمعوي والتربوي اختاروا التراجع عملا بمبدإ " عطيونا التيقار " لكني أحملهم المسؤولية أيضا.. ليس علينا أن ننتظر أن يفرشوا لنا الأرض وردا لنبدأ العمل؟؟ أصلا المهمة تقضي بأن نغير الطالح إلى صالح..
    الطامة الكبرى هي أن نجد حكومتنا المبجلة تفكر في تفويت هذه المؤسسات إلى القطاع الخاص.. (كل شيء ممكن بيعه، حتى مستقبل الأمة)
    هذه الخطوة تعني أن دور الشباب سيسيطر عليها أصحاب المال لا التجربة، والمعروف أن أغلب الجمعيات التي تعمل بجد لا تجد الدعم المادي الكافي، الأمر الذي سيحرم الطبقة الشعبية البسيطة من الاستفادة من خدمات هذه المؤسسة، في حين أنها هي الطبقة التي أحيت دور الشباب..
    شخصيا أرى أن دور الشباب يجب أن تكون خاضعة لإشراف وزارتي الثقافة والشباب والرياضة، وليس هذه الأخيرة فحسب.

    الحديث طويل وشيق بقدر ما هو مؤلم..
    تقبل مروري ولك مني التحية

    ردحذف
  3. @ سناء
    حتى نتيا راكي دخلتي الميدان دابا هههه
    مرحبا على الدوام أستاذتي في التدوين

    ردحذف
  4. @ خالد
    أسعد كثيرا عندما أصادف أشخاصا من الميدان لا زالو يحملون همه و يفكرون في سبل إصلاحه،
    و أنا مثلك قضيت عقدين تقريبا في حضن دور الشباب و المخيمات و الأنشطة الجمعوية و أدرك جيدا مدى الانحدتر الذي عرفه مستوى التنشيط و التأطير الجمعويين ..
    أعتقد أن كل المهتمين يعرفون جيدا الأسباب المباشرة التي أدت بنا إلى الوصول إلى هذا الوضع المزري، و قد تفضلت في مداخلتك بإعطاء تشريح مركز لهاته الأسباب :
    * سياسة الدولة العقيمة في تعاملها مع مشاكل القطاع، أولا من خلال التصريح للجمعيات الصفراء و دعمها، ثم من خلال إهمال ورشات التكوين و عدم الاهتمام بتحيين برامج التداريب الخاصة بالأطر؛
    * سياسة الكرسي الفارغ التي اتبعها الرواد،
    و هو ما جعل المتطفلين يأخذون بزمام الأمور و يعيثون فسادا في الميدان..


    كلام كثير قيل، و مداد أكثر أسيل و لكن للأسف الوضع لا يزداد إلا سوءا
    بوركت على مورورك الراقي جدا أخي الكريم

    ردحذف
  5. أخي الكريم، الجمعيات كانت فيما مضى، أما الآن فهي "كبريهات" للأسف، تشجع الميوعة والانحلال.. للأسف هناك جمعيات محترمة لكنها تشهد مضايقات من طرف السلطات لأنها لا تطبق أجندتهم، فتكيد لها المكائد، وقد أغلقت العديد من هاته الجمعيات..

    إدراج جميل.. لكنه مرير مرارة العلقم، لما نشاهد من انحلال شبابنا في هاته الجمعيات التي المفروض فيها زرع القيم والتربية السليمة في نفوس أطر المستقبل..

    كنت هنا..

    ردحذف
  6. @ أخي خالد أبجيك مرحبا بك
    هناك إجماع من قبل كل الفاعلين الجمعويين على أن دور الشباب أصبحت مرتعا خصبا لكل ما هو تمييعي و لا أخلاقي
    لكن السؤال المطروح هو : ما هو الحل الأمثل لإعادة الأمور إلى مصارها الطبيعي؟؟

    ردحذف

;