02 ماي، 2010

يترجى الموت، و يتمنى تأجيله بغية لقاء المعشوقة ~ عبد الرحيم الورري



يجلس متكئا على أريكة متهالكة ، يبحث عن مصدر نور مشع قادم من شاشة التلفاز القديم ، غدره الزمن و هرم قبل مجيء الأوان ـ يحاول خطف ألوان الشاشة بعينين تقاومان الضبابية و أدناه منتصبتان تبحث عن صوت ترصده لتدخله أركان جسد الشيخ ... ينط بين الحين و الآخر عندما ينجح في رصد حركة أو صوت جميل من منبع الشاشة فيبتسم بثغر واضحة عليه آثار الزمن و تجاعيده ... لم يعد أمله في الحياة واسعا يعيش فقط على فتات تمنحه له الشاشة فيتسمر أمامها كطفل صغير عندما ينتظر ملاحم الكابتن ماجد ... شيخنا لم يعد يقوى على تحدي الأيام بأشكالها و ألوانها فجسمه نحل و ذكرياته إنمحت بكل تفاصيلها إلى من تفاصيل عشيقته التي فضلها دوما على أعظم واجبات الحياة ... أمله اليومي تمنحه له برمجة للقاء معشوقته فهو يعتبر لحظة لقائها بصلة الرحم و في كل مرة يلقي نظرة الوداع بالرغم من فقدان عينيه حيوية الرصد كأنه يقول عشت على أملك و أطمح للموت على أملك ... شيخنا ولد في وسط الركام العظيم من شتى أشكال الحزن و الآسى و عاش مترنحا تتقاذفه الأيام كما تتقاذف الأمواج العاتية جنبات جلمود ساحلي يرفض الإستسلام ـ فقير شيخنا تحدى الزمن و جبروته أنجب أولادا أبرار من خضم الصراع مع الزمن ساعدهم على تحسس الطريق السليم بالرغم من إنحرافات الزمن علمهم نهل الأمل من أتفه الأشياء ، فعشقوا نفس معشوقته فصاروا على درب والدهم شيخنا ... جميعهم اليوم يعيشون حياة البؤس لكن عشقهم لكرة القدم أو المعشوقة تنسيهم هول الصراع مع الأيام الغادرة ... فيعيشون بأمل لقياها في موعد من المواعد المتاحة فتصير صعابهم هينة مادامت كر القدم تمنحهم أمل ينفخ جسدهم قوة و عزيمة لدحر الزمن و غدره .
شيخنا ينظر المنون فلم تعد له هوامش يرتادها في ملحمة الزمن ، لكنه أحيانا يتشبث بالعيش من جديد كلما إقترب موعد اللقاء مع المعشوقة فيترجى الله يترك أمانته لما بعد اللقاء هكذا يعيش شيخنا ... نسي كل الهموم و صنع من أمل اللقاء بكرة القدم رمقا جديدا لحياته المنتهية منذ ميلاده الأول ، و أولاده يواجهون المستحيل بأمل المعشوقة ... هي حكاية الإرث و حكاية الهوى الممزوج بنفحات خاصة من حياة خاصة على أرض خاصة . قد يصعد شيخنا الى السماء واهبا روحه للخالق لكن الأأرض لن تنسى أقدامه التي مشت فوق سطها بدبيب حزين تخطف الخطواتفي لحظة سهو من أتربتها .
قصة الشيخ ليست عجبا عجاب أو حدث نادر  .. بل وجه حقيقي لواقع الأمل المنتشر في أجساد الفقراء يصنعون كل شيء من لا شيء و يصرون على جعل الأمل ينبجس من أتفه الأشياء ... فقراء عظماء هم أكثر من يعيش اللحظة الى جانب المعشوقة و هم من يشيدون لها فجاج العبر الى قلوبهم فعظمتهم في خرق المعتاد و صنع المستحيل ... يمزجون بين الكفاح اليومي من أجل إنتزاع رغيف يومي من بين مخالب الزمن و أنيابه الكاشرة و بين النهل من متعة المعشوقة بصار لها عنوان و لا وشم في أجسادهم العظيمة ... لقد إعتاد الفقراء على الشقاء اليومي لكنهم لا يخلفون موعد اللقاء بالمعشوقة فيزيد إصرارهم في تحدي المستحيل و خفافيشه المنتعشة بلعنة الظلام الذي يحاربه الفقراء بنور القلوب و سنا العقول .
نزلت علينا بردا و سلاما طرقت أبوابنا و دلفت الى داخل قلوبنما بدون إستئذان تتجول بكبرياء بعد أن أسقطتنا تباعا في عشقها ، لونها الأحمر عظيم و عطرها الأطلسي ذكي و شكلها المغربي خلاب ... دامت أملا جديدا للفقراء فقط ... و دامت طاعون لمن يقفز عاليا متخدا من ظهور الفقراء منصة للقفز .

 بقلم: عبد الرحيم الورري 
| ولد الفقيه بن صالح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

;