29 أبريل، 2010

حديث الروح ~ من يوميات البحث عن الذات

هذا النص عزيز جدا على قلبي
أعتبره من أحسن ما كتبت

***
في ذاك الصباح استفقت كعادتي، حملت قلما و محبرة و أوراق عذراء تزاحم كم طلبات العمل و نسخ الشهادات و السير الذاتية، سلكت نفس الطريق المعتاد، ذات المناظر أصادفها و أنا في سبيلي نحو رحلة البحث اليومية،
البقال في الطرف الأيسر، مقهى رضا، بائعة الفطائر التي تستقبلني كل صباح بابتسامتها و دعواتها، ثم الركن الساخر حيث أنتظر قدوم الحافلة مع كل أصيل.
سنتان و أنا أمارس الطقوس ذاتها يوميا في رحلة تبدو بدون نهاية بحثا عن حق مشروع في الحصول على وظيفة أحقق بها جزءا من أحلام أضحت تستحيل سرابا يوما بعد آخر.
ذاك اليوم، قررت أن أخالف العادة و أن أسعى إلى بحث من نوع آخر، بحث عن هدوء نفسي و لحظات تأمل افتقدتها منذ أن نالت من مخيلتي المنهكة هواجس العمل و البطالة التي طال أمدها.
غادرت الحافلة فاستقبلني الزقاق مستهزئا بجسدي و روحي، كأني به يكاد ينطق مرددا : عد أدراجك يا هذا، سئمت منك أما سئمت أنت من نفسك؟ كانت الأصداء تتزاحم في رأسي فأشعر كأنني أدور في دوامة يتغلغل صفيرها في مسام جلدي.
حثت الخطى سيرا لا أدري أين، فخيل إلي أن الطريق حية سوداء تسابقني ماكرة لكي تعدبني، فتذكرني بكل المحن القاسية التي تؤتث الزوايا المظلمة من رأسي فتملأها بالصخب و التعب و الضجيج، ضجيج داخلي طغى على ضجيج السيارات و لغط المارة، الذين لم أكن أرى منهم سوى أشباح أجساد بدون ملامح.
وجدت نفسي بعد هنيهة مقابلا لبساط أزرق يمتد للأفق فيعانق السماء بود أزلي،
شكل البحر دوما خير ملاذ ألجأ إليه لكي أغسل ذاتي من الهموم و أخرج منها ما أثقلها و جعلها تبدو كعجوز تودع الحياة،
في البحر أعاين عظمة الخالق و قدرته الخارقة على تغيير الحال من حال إلى حال بكلمة منه عز و جل،
و من نسيمه أستنشق جرعات من الأمل تكفيني لكي أواصل المسير في رحلة الحياة القاسية،
انتدبت ذات المكان حيت أجلس دوما أناجي النفس و الروح، أشحت النظر للحظة، فإذا بي أفاجأ بشخص يجلس على مقربة مني،
لم تكن ملامحه غريبة علي، أحسسته قريبا جدا من ذاتي، و لمست في بريق عينيه حزنا كالذي يثقل كاهلي، و في صوت أنفاسه المتصاعدة يصرخ تعب مرادف لدقات قلبي،
بيني و بينه دار هذا الحوار
أنا : هباء هي الدنيا و محض سراب، فكم أمعنت في حرقتي و عذابي
هو : أطاحت بعزمي و استخفت بهمتي، فهذا أنا أمضي بغير صواب
أنا : أفي كل حين أنت في تصاعد، أيا خالقي إني سئمت اكتئابي
هو : يبرحني هذا التشرد و النوى، أسير الهوينى بين باب و باب
أنا : أأقضي حياتي ساخطا متبرما، و حولي وجود زاخر بشبابي؟
هو : أيا أبتي حتى متى ستذمني، و لا ذنب لي إلا ما قدر رب العباد
أنا : متى يبسم الفجر الضحوك فأنتشي، متى أكسر الأغلال هل من جواب؟
انتظرت الجواب دون جدوى، ذاك أنني حين انتبهت لم أجد لرفيق جلستي أثرا،
أيقنت حينها أنني لم أكن سوى هو..
و هو لم يكن سوى أنا.

هناك 3 تعليقات:

  1. الكلام في حرمة الجمال سوء أدب..

    رائع.. رائع.. بكل ما تحمل الكلمة من معنى..

    دمت بود

    ردحذف
  2. صديقي عبد الحميد أفتخر بأني وجدت شاب مثلك له مثل هذا السرد الذي يعجبني وكذلك التعبير، ففي النص جاءت عبارات بليغة جدا رسمت بها مشاهد رائعة... خلاصة القول أنت مبدع يا صديقي، واعلم أني لا أقولها مجاملة ولا مجازا فهذه هي الحقيقة.

    ردحذف
  3. ne perder pa l'espoir mon cher frere fa inna lfaraja 9adim bi idni lah .ta soeur meryem

    ردحذف

;