27 أبريل، 2010

و منه ما قتل

وصل عميد الشرطة إلى حيث أشاروا له، رمق الجثة الماثلة أمامه بعينين فاحصتين
- "أنثى، في العشرينيات من عمرها، من المرجح أنها ألقت بنفسها من إحدى شرفات هاته البنايه
- " و ماذا وجدتم معها "
- " هذا الخطاب، سيدي "
قلب العميد الورقة الملطخة دما ثم انزوى إلى ركن بعيد و قرأ


** قل لي بربك هل تحبها؟
تلك المنسوبة إليك، المدونة في أوراقك الرسمية، القابعة في عالمك..
نهارك .. ليلك .. كلك .. بعضك
دعني أحد سكين التخيل..
دعني أتخيل!
هل تفتح عينيها على وجهك ؟ هل تدقق النظر في ملامحك بحب؟
هل تمسح جبينك بأناملها؟
تردد بجنون يشبه جنوني بك : يا الله كم أعشق هذا الوجه !!
هل تعيش معك طقوسي التي تمنيتها، فتوقظك على رائحة الورد و أنفاسها تلفح ملامح وجهك فتمسح  بوردة حمراء ندية و تردد بدلع أنثوي : استيقظ يا عمري، استيقظ حتى تشرق الشمس على الوجود ؟
هل تضع لك المعجون على الفرشاة، و تمارس جنونها على المرآة البلورية لتكتب بأحمر شفاهها: صباحك سكر، أحبك بحجم الشمس و أكثر !!؟
هل تعطر صباحك برائحة الشوق؟ و تضع فوق مائدة إفطارك وردة حمراء معطرة برائحة الحب، و تطعمك قطع الخبز، و تسقيك قهوتك المفضلة فتلح عليك لتناول قطعة أخرى و تقول : واحدة فقط يا حبيبي ! ثم تهديك ابتسامة الرحيل؟
هل تدللك كالطفل الوحيد، فتمشط شعرك و تقلم أظافرك بحب ، و تساعدك على ارتداء سترتك و تغلق أزرار قميصك و تصر على اصطحابك إلى عتبة الباب لكي تردد على مسامعك وصاياها العشر، و تترك في يديك و على خدك بقايا عطرها ؟
هل تناديك كما كنت أناديك ؟ و تجيبها كما كنت تجيبني؟
دعني أحد سكين التخيل أكثر !!
دعني أنحرك أعمق و أعمق !!
هل تفتح عينيك على وجهها صباحا فتسافر يداك على شعرها المسدول تبعثره و تبعثره؟
تتحول إلى لعبة مذللة، و تتحول في حضرتها إلى طفل شقي!!
هل فاجأتها يوما و أهديتها حضورك بعد طول غياب؟ فأغمضت عينيها بيديك و طلبت منها أن تخمن من صاحب اليد و العطر و الوجود و الصوت و الحضور المباغت !!
هل دللت أناملها يوما، فتركت بسمة شفتيك على أطرافها، ثم أهديت لكفها وجهك و أغمضت عينيك بأمان؟
هل مشيت يوما معها على شاطئ البحر، تحوط خصرها بيدك و تضع رأسها على كتفك، و تجلس معها على الرمال تغني لها كما كنت تغني لي؟
هل تجولت معها في الأسواق يوما يدك في يدها و عيناك في الزحام تبحث عني و يراودك السؤال المقلق ماذا لو رأيتك بصحبتها صدفة؟ و أي الأدوار ستختار؟
دور العاشق المعذب في حكايتي؟ أم المخلص الوفي في حكايتها؟
هل دعوتها يوما لمشاهدة فيلمك المفضل، فاخترت المقعد الأخير، في الصف الأخير، و حولتك الأضواء الحالمة إلى مراهق في سنته الأولى، فرميت عقودك و سنواتك خلف ظهرك و أبحرت تجاهها بطيش جارف؟
دعني أحد سكين التخيل أكثر فأكثر !!
دعني أنحرك أعمق فأعمق !!
هل احتفلت معها بيوم الحب و أخفيت تحت وسادتها وردة حمراء، ملأتها بنبضات قلبك؛ و أخفت تحت وسادتك زجاجة عطر رجالي !! ؟؟
فإذا لمحت الوردة و لمحت العطر طرت إليها بشوق و طارت بالشوق إليك !!
هل رسمت لها خارطة السهر بصحبتك، و انتقيت لها حرائرها و ألوانها و عطرها ثم راقصتها تحت أضواء الشوق ليالي و ليالي ؟
هل ارتدت لك ألوانك المفضلة، فوضعت يدك على قلبك و أنت ترقبها ؟
هل شاركتها عشاءا رومانسيا تحت أضواء الشموع و راقصتها كفرسان الحكايات و سردت عليها أسطورة شوقك إليها ؟ ذات القصة التي أكثرت دوما من سردها إلي !!
ألم تطفئ الأنوار في تلك اللحظات حتى تتستر من طيفي تحت رداء الظلام، فلا يلمحك و أنت تمارس الطقوس التي مارست يوما معي؟
هل راودك وجهي عن خيالك يوما و أنت بصحبتها فأغمضت عينيك تتذكرني،
فنما في قلبك الحنين إلي ثم تسللت تحت رداء الليل كاللصوص تسرق من زمانك لقلبك بعض النبض؟
هل فاجأتك مني رسالة مجنونة و أنت بصحبتها فقرأته على عجل لكي تخفي آثار جريمتك بي و بها؟
هل أهداك هاتفك النقال رقم هاتفي، فارتبكت و عشت فصولك في لحظة الارتباك فصلا واحدا فيه رنين الصوت في قلبك يعلو و يعلو؟
ألم يتردد صوت الضمير في قلبك يوما يقول :
"أحبها سيدتي !
و لا عذر لدي أسوقه لك ..
فحسبك من الهناء.. جهلك بها
و حسبي من الشقاء .. علمي بها."
إليها أقول:
" سيدتي !!
ربما كنت بالنسبة له ماضي، غير أن الحب في لحظات الحرمان جميل و إن كان من الماضي؛
أعترف اليوم أنك امرأته المدونة في أوراقه، إسمك مكنى على اسمه؛
أما أنا فكنت ذكراه .. ماضيه .. جنونه .. طيشه.
ربما ليس لكل هذا معنى الآن، غير أن حياتي استمرت بعد هذا الذي أسماه ماضي."
و لك أقول سيدي :
"العلاقات شرعية و غير ذلك،
هي علاقتك الشرعية،
و أنا علاقتك في الخفاء، تلك التي تخفيها عن الأنظار،
وتتوارى معها خلف ستار العادات و التقاليد.
سيدي،
اخترت الرحيل مع أخرى، فتحقق معها أحلامنا و أمانينا،
أنا لم و لن أستطيع فحياتي بدونك لا تطيب،
لذلك اخترت رحيلا آخر، حيث لن تجدني يوما..
وداعا !"


طوى العميد الورقة مع آخر كلمة، و التفت جهة مفتشيه و قال :
" سجلوا ضحية جديدة من ضحاياه
صدقوا إذ قالوا ..
و منه ما قتل

هناك 3 تعليقات:

  1. لا أعرف لماذا أحس بشعور غريب ، كلما قرأت هاته القصة
    أعيد الرسالة مرة ومرات
    ونفس الاحساس يراودني
    كنت هنا
    كما هناك
    سلاموو

    ردحذف
  2. شرف لي أن تروقك سناء
    أعرف أنك أحسن من يتذوق ما أكتب
    بوركت يا غالية

    ردحذف
  3. فعلا ومن الحب ما قتل..

    تصوير رائع أخي الكريم..

    كنت هنا.. وسأبقى..

    دمت بود

    ردحذف

;